مفاهيم خاطئة حول اضطراب التوحد
د. موسى بن أحمد آل زعلة
استشاري الطب النفسي للأطفال
الاثنين، 26 جمادى الآخرة 1437هـ الموافق 4 أبريل 2016م

على الرغم من كثرة حديث الإعلاميين والمختصين عن اضطراب التوحد في السنوات الأخيرة إلا أن جوانب كثيرة من هذا المرض تظل غامضة لدى كثير من الناس ، وبسبب هذا الغموض انتشرت لدى الناس بعض المفاهيم غير الصحيحة ، والتي لا تقوم على دليل علمي رصين .. ومن هذه المفاهيم الخاطئة ما يلي:

اعتقاد بعض الناس أن أعراض التوحد عبارة عن أعراض عابرة ، وتزول مع الوقت ، وبالتالي فلا داعي للاستعجال في استشارة المختصين أو المبادرة بالتدخل

وهذا اعتقاد خاطئ فإذا اشتبه الأهل أن لدى طفلهم بعض أعراض التوحد فعليهم المبادرة باستشارة المختصين ، وإذا تم تشخيصه أن لديه أعراض توحد فلابد من المبادرة إلى التدخل العلاجي ، لأن التوحد مرض مزمن وأعراضه تصاحب الطفل إلى مراحل متقدمة من عمره .

انتشر لدى كثير من الناس الاعتقاد بأن الطفل الانطوائي ، أو الطفل الذي لديه تأخر في كلامه مصاب بالتوحد

وهذا مفهوم قاصر : فانطوائية الطفل وتأخره في الكلام لها أسباب كثيرة ومختلفة ، ومنها التوحد ، ولكن هناك احتمالات أخرى كثيرة لابد من استبعادها قبل أن نحكم على الطفل بالتوحد ، فالتوحد له علاماته الدقيقة والتي تحتاج إلى متخصص حتى يكتشفها ويحكم عليها إذا كانت توحد أم لا .

بعض الآباء والأمهات يرفضون قبول تشخيص التوحد إذا لم يجدوا له أسبابا واضحة .

وهذا مفهوم خاطئ ، فالتوحد ليس له سبب واضح ومحدد ، ومازالت الأبحاث العلمية عاجزة عن تحديد السبب الدقيق لهذا المرض ، وهذا ما قد يجعل بعض الآباء والأمهات يضيعون على طفلهم وقتا طويلا في البحث عن السبب وراء هذا المرض ، وبالتالي يتأخر الطفل عن الالتحاق بأي برنامج علاجي ، ولا يصل الوالدان إلى أي سبب له علاقة بحصول المرض .

يعتقد البعض أنه لا يمكن تشخيص التوحد إلا بإجراء مجموعة من الفحوصات المخبرية ، وعمل أشعة للرأس .

والصحيح أن تشخيص التوحد – حسب التصنيفات العالمية – للاضطرابات السلوكية لدى الأطفال يكون مبنيا على التشخيص العيادي والتقييم الطبي ، عن طريق طبيب متخصص في التعامل مع اضطرابات التوحد ، وإنما تساعد هذه الفحوصات في استبعاد وجود أي مشكلات طبية أخرى ، وليس لإثبات التشخيص .

البعض الآخر يرى أن تشخيص التوحد لا يتم إلا بإجراء اختبارات ومقاييس نفسية لإثبات التشخيص .

الاختبارات والمقاييس النفسية ليست أدوات لإعطاء التشخيص الدقيق والنهائي ، وإنما قد تساعد في الوصول للتشخيص ، وتفيد أيضا في معرفة نقاط القوة ونقاط الضعف التفصيلية لدى مريض التوحد ، وهذا يساعد في وضع البرنامج العلاجي التأهيلي المناسب للطفل .

يعتقد بعض الأهل – وأحيانا بعض الصحيين غير المتخصصين – أن مرض التوحد ناتج عن زيادة الشحنات الكهربائية في الدماغ .

والصحيح أن ذلك لم يثبت من الناحية العلمية ، وليس لوجود الشحنات الكهربائية علاقة بحدوث مرض التوحد ، إلا إذا صاحبها نوبات صرع فيحتاج الطفل إلى استخدام أدوية الصرع لعلاجه لا لعلاج التوحد .

انتشر لدى الكثير من أسر أطفال التوحد أنه لا يمكن أن يتم تأهيل أو تدريب أطفال التوحد إلا في مراكز متخصصة ، وأن الأهل غير قادرين على تدريبهم ، وليس لهم دور في التدريب والتأهيل .

التدريب والتأهيل مهم جدا لاستفادة أطفال التوحد ، وكذلك فإن وجود المدربين المتخصصين المؤهلين عامل مهم من عوامل تحسن أعراض التوحد ، ولكن هذا كله لا يلغي دور الأسرة ، وخاصة الوالدين ، فعليهم دور كبير في تدريب وتأهيل أبنائهم على المهارات التي يتعلمونها من المدربين المتخصصين ، بل إن بعض الباحثين يرى أن الطفل التوحدي يستفيد من التدريب والتأهيل داخل أسرته أفضل من أن يكون بعيدا عنهم ، فمن الخطأ إهمال دور الأسرة والاعتماد الكلي على المراكز .

كثير من أسر أطفال التوحد يبحثون عن أنواع مختلفة من الحمية الغذائية لأطفالهم وذلك لاعتقادهم أنها علاج مفيد لأعراض التوحد .

بالرغم من أن هناك من يقول أن طفلهم استفاد جزئيا من الحمية ، إلا أن الدراسات العلمية أظهرت عدم فاعلية الحمية ، ولكن بعض الأطفال قد يكون لديه تحسس من بعض الأطعمة ، فعندما يعمل له حمية منها فإن ذلك قد يساعد في تحسن بعض الأعراض جزئيا ولوقت محدود ، مع ملاحظة أن حرمان الطفل من بعض الأطعمة قد يكون له آثار سلبية على صحة الطفل ، فإذا أراد الأهل تجربة الحمية فلابد أن يكون تحت إشراف طبي من المتخصصين في التغذية .

يبحث بعض أهالي أطفال التوحد عن علاج أطفالهم بالأكسجين .

وقد اختلفت الدراسات العلمية في إثبات فاعلية العلاج بالأكسجين لأطفال التوحد ، فهناك بعض الدراسات أظهرت فاعليته ، ولكن غالبية الدراسات العلمية المقننة أظهرت عدم فاعليته على المدى البعيد ، كما أن له بعض الأعراض الجانبية ومنها : الصداع ، التهاب الأذن الوسطى ، تشنجات ، مشاكل في النظر

يظن بعض أسر أطفال التوحد أن هناك علاج دوائي طبي للقضاء على أعراض التوحد .

للأسف الشديد لا يوجد أي أدوية طبية لعلاج أعراض التوحد ، وإنما توجد هناك بعض الأدوية التي أظهرت الدراسات العلمية فعاليتها في علاج بعض الأعراض المصاحبة للتوحد مثل العنف والعدوانية ، وكذلك الهيجان وسرعة الانفعال .

يعتقد بعض الناس أن معظم أطفال التوحد قد يظهر لديهم قدرات خارقة وذكاء يفوق المعدل الطبيعي .

نعم هناك فئة محدودة من أطفال التوحد قد يظهر لديهم نبوغ وذكاء حاد في جزئيات دقيقة من حياتهم ، ولكنهم فئة محدودة ، أما غالبهم 70% تقريبا فذكاؤهم أقل من المعدل الطبيعي .

يعتقد الكثير من أهالي أطفال التوحد أن الهدف من التدخل العلاجي بالتدريب والتأهيل هو أن يصبح الطفل طبيعيا 100%

والواقع أن اضطراب التوحد يعتبر إعاقة نمائية شاملة مزمنة ، وبالتالي فإن الهدف من التدخلات العلاجية هو الوصول بالطفل إلى أعلى حد ممكن في الاعتماد على نفسه ، وكذلك تحسين التفاعل الاجتماعي إلى أقصى درجة ممكنة ، وفي حال تحقق هذين الهدفين فإن التدخل العلاجي يعتبر قد نجح نجاحا كبيرا .